الجاحظ
6
الحيوان
عقله منيحة من ربه ، وأن استطاعته عاريّة عنده ، وأنه إنما يستبقي النّعمة بإدامة الشّكر ، والتعرّض لسلبها بإضاعة الشكر . ثم حبّب إليها طلب الذّرء والسّفاد الذي يكون مجلبة للذرء « 1 » ، وحبّب إليها أولادها ونجلها وذرءها ونسلها ، حتى قالوا : أكرم الإبل أشدّها حنينا ، وأكرم الصّفايا أشدّها حبّا لأولادها . وزاوج بين أكثرها وجعل تألّفها مع بعضها من الطّروقة « 2 » إذا لم يكن الزّواج لها خلقا ، وجعل إلف العرس لها عادة ، وقوّاها على المسافدة ، لتتمّ النعمة ، وتعظم المنة ، وألهمها المبالغة في التربية ، وحسن التعبّد ، وشدّة التفقّد ، وسوّى في ذلك بين الجنس الذي يلقّم أولاده تلقيما ، وبين الذي يرضعها إرضاعا ، وبين الذي يزقّها زقّا ، وبين ما يحضن وما لا يحضن . ومنها ما أخرجها من أرحام البيض وأرحام البطون كاسية ، ومنها ما أخرجها كاسية كاسبة ، وأمتعها وألذّها ، وجعلها نعمة على عباده ، وامتحانا لشكرهم ، وزيادة في معرفتهم ، وجلاء لما يتراكم من الجهل على قلوبهم . فليس لهذا الكتاب ضدّ من جميع من يشهد الشهادة ، ويصلّي إلى القبلة ، ويأكل الذّبيحة ولا ضدّ من جميع الملحدين ممّن لا يقرّ بالبعث ، وينتحل الشرائع وإن ألحد في ذلك وزاد ونقص ، إلا الدّهري ، فإن الذي ينفي الربوبيّة ، ويحيل الأمر والنّهي ، وينكر جواز الرّسالة ، ويجعل الطّينة قديمة ، ويجحد الثواب والعقاب ، ولا يعرف الحلال والحرام ، ولا يقرّ بأن في جميع العالم برهانا يدلّ على صانع ومصنوع ، وخالق ومخلوق ، ويجعل الفلك الذي لا يعرف نفسه من غيره ، ولا يفصل بين الحديث والقديم ، وبين المحسن والمسئ ، ولا يستطيع الزيادة في حركته ، ولا النّقصان من دورانه ، ولا معاقبة للسّكون بالحركة ، ولا الوقوف طرفة عين ، ولا الانحراف عن الجهة - هو الذي يكون به جميع الإبرام والنّقض ، ودقيق الأمور وجليلها ، وهذه الحكم العجيبة ، والتدابير المتقنة ، والتأليف البديع ، والتّركيب الحكيم ، على حساب معلوم ، ونسق معروف ، على غاية من دقائق الحكمة وإحكام الصّنعة . ولا ينبغي لهذا الدهريّ أيضا أن يعرض لكتابنا هذا وإن دلّ على خلاف مذهبه ، ودعا إلى خلاف اعتقاده ، لأن الدّهريّ ليس يرى أنّ في الأرض دينا أو نحلة أو شريعة أو ملة ، ولا يرى للحلال حرمة ولا يعرفه ولا للحرام نهاية ولا يعرفه ، ولا يتوقّع العقاب على الإساءة ، ولا يترجّى الثواب على الإحسان . وإنما الصواب عنده والحقّ في حكمه ،
--> ( 1 ) الذرء : النسل . ( 2 ) الطروقة : الأنثى التي بلغت الضراب .